
|
|
رقم العضوية : 3
|
|
الإنتساب : Jan 2010
|
|
المشاركات : 9,049
|
|
بمعدل : 10.56 يوميا
|
|
|
|
عدد الترشيحات : 89
عدد المواضيع المرشحة : 78
 عدد مرات الفوز : 1
|
|
كاتب الموضوع :
أبو حسان
المنتدى :
الجزيرة الإسلامية المنوعة
بتاريخ : 02-26-2011 الساعة : 09:20 PM
رد: شرح حديث مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم
حـديـث
مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم
دراسـة حـديثـيـة دعوية
إعداد
أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام
محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
دار ابن الأثير
1427هـ
المقدمــة
الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, والصلاة والسلام على رسوله الأمين، المبعوث رحمةً للعالمين؛ أرسله الله شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا, بلّغ الرسالة, وأدّى الأمانة, ونصح الأمة, وتركها على البيضاء, ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الغر الميامين, والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعــد....
فإن السنة النبوية كنز من الكنوز الثمينة، اهتم بها المحدثون وتعلّموها وعملوا بها وعلّموها، ونشروها للناس وقضوا جلّ حياتهم فيها، لما لها من مكانة مرموقة في الشريعة، كيف لا، وهي الأصل الثاني من أصول الشريعة, كما جاء في الحديث: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما:كتاب الله وسنة نبيه»( ). وهي تفسير وتوضيح للقرآن، تبين مشكله، وتفصل مجمله, وتوضح مبهمه, وتفتح مغلقه، وتسهل معضله، وهي أيضا وحي إلا أنه غير متلو, كما جاء في الحديث: فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ, أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ, لَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ, وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ, أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ, وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ, أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِن مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا, وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ, فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ» ( ).
فحري بنا أن نبذل الغالي والنفيس لأجلها، وننفق ما عندنا في سبيلها, ونقضي حياتنا في طلبها, ونعمل على مقتضاها، فلذا قمنا بدراسة بعض الأحاديث النبوية المشرقة؛ دراسة حديثية توجيهية ودعوية، ومنها هذا الحديث النبوي الرائع الذي يهتم بمبدأ عظيم من مبادئ الإسلام وهو «العلم بالدين والدعوة إليه». ذلك المبدأ الذي جاء فضله في كتاب الله العزيز في قوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [فصلت:33].
وفيما يلي من الصفحات نعيش في رحاب هذا الحديث الشريف فهماً, ودراسةً, واستنباطاً للأحكام القيمة, والدروس النافعة بقدر المستطاع, ليكون دليلًا وهاديًا لكل مسلمٍ، وبالأخص لكل داعيةٍ يريد سلوك صراط الله تعالى على فهمٍ وبصيرةٍ.
وتأتي هذه الأهمية العظيمة في مثل هذه الأوقات الحرجة التي تكالب أعداء الإسلام وتابعوهم من المنافقين والمستغربين من أبناء المسلمين على الاستهزاء بالدين وصاحب السنة نبي هذه الأمة محمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة والتسليم ما تعاقب الليل والنهار-، وما نرى في هذه الأيام من هجمة شرسة عليه, واستهزاء وازدراء به, ما هو إلا حقد دفين في قلوبهم عن الدين وصاحبه. فوجب على كل فرد من أفراد الأمة مناصرته وحمايته من كل أذى يراد به، أو نقص ينسب إليه, والدفاع عنه بكل وسيلة ممكنة،وبكل أسلوب متاح له، قال تعالى: ((لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)) [الفتح:9] وبالأخص نشر سيرته الطيبة الطاهرة أمام العالم، والدعوة إلى دينه بطرق مفيدة, وبأساليب حكيمة, التي أشير إلى بعضها في قوله تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125], وهذا أقل القليل لما يقدم تجاهه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقد توخيت في هذا البيان محاولة التوسط بين الإيجاز والإطناب, وقد جعلته على وقفات، مركزًا على دلالة الحديث على العلم والدعوة، بشيء من البسط الذي يذكّر العالم، ويعلّم الجاهل، سائلًا المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل هذا العمل من المدخرات، وأن يعفو عن الزلل والتقصير. إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه/
فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر
ص. ب. 41961 الرياض -11531
Email: [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
نص الحديث
قال الإمام البخاري رحمه الله:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ, عَن بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِالله, عَن أَبِي بُرْدَةَ, عَن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه , عَن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله مِن الهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا؛ فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَت المَاءَ فَأَنْبَتَت الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ, وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَت المَاءَ فَنَفَعَ الله بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا, وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ فِي دِينِ الله وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ, وَمَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
[رواه الشيخان, واللفظ للبخاري]
الوقفة الأولى:
تخريج الحديث
هذا الحديث:
رواه البخاري في صحيحه: كتاب العلم، باب: فضل من علم وعلّم, ح: (79).
ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل، باب: بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، ح: (2282).
وأحمد في مسنده: أول مسند الكوفيين، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، (4/399).
وعند الثلاثة ليس هناك اختلاف جوهري في الألفاظ إلا في كلمات معدودة فقط, إلا أن البخاري عنده شرح لبعض الكلمات. كما ذكر أنه في رواية إسحاق: «قيلت الماء» بدل «قبلت الماء» وعلق ابن حجر عليه بقوله: وَهُوَ تَصْحِيف.
وعند مُسْلِم: «طَائِفَة طَيِّبَة» وعِنْد الْبُخَارِيّ « نقِيَّة»
وكذلك عند البخاري: «فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا»، وعند مسلم: «فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا».
الوقفة الثانية:
مع كلمات الحديث
(مَثَل): بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَة وَالْمُرَاد بِهِ الصِّفَة الْعَجِيبَة لَا الْقَوْل السَّائِر.
(الهُدَى): أَيْ: الدَّلَالَة المُوَصِّلَة إِلَى الْمَطْلُوب.
(الْعِلْم): المُرَاد بِهِ مَعْرِفَة الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة.
(الْغَيْث): الْمَطَر.
(نَقِيَّة): طَيِّبَة.
(قَبِلَتْ): بِفَتْحِ الْقَاف وَكَسْر الْمُوَحَّدَة مِن الْقَبُول.
(الْكَلَأ): بِالْهَمْزَةِ بِلَا مَدّ, يَقَعُ عَلَى الْيَابِس وَالرَّطْب, وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَابْن فَارِس: الْكَلَأ يَقَعُ عَلَى الْيَابِس, وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
(وَالْعُشْب): هُوَ مِن ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ ; لِأَنَّ الْكَلَأ يُطْلَق عَلَى النَّبْت الرَّطْب وَالْيَابِس مَعًا, وَالْعُشْب لِلرَّطْبِ فَقَطْ.
وقال النووي: وَأَمَّا (الْعُشْب وَالْكَلَأ وَالْحَشِيش): فَكُلّهَا أَسْمَاء لِلنَّبَاتِ, لَكِنَّ الْحَشِيش مُخْتَصّ بِالْيَابِسِ, وَالْعُشْب وَالْكَلَأ - مَقْصُورًا - مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ.
(الْأَجَادِب): بِالْجِيمِ وَالدَّال الْمُهْمَلَة، وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي تُنْبِتُ كَلَأً. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هِيَ الْأَرْض الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاء, فَلَا يُسْرِعُ فِيهِ النُّضُوب.
(وَزَرَعُوا): كَذَا لَهُ بِزِيَادَةِ زَاي مِن الزَّرْع, وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرهمَا عَن أَبِي كُرَيْب: «وَرَعَوْا» بِغَيْرِ زَاي مِن الرَّعْي, قَالَ النَّوَوِيّ. كِلَاهُمَا صَحِيح.
(وَسَقَوْا): قَالَ أَهْل اللُّغَة: سَقَى وَأَسْقَى بِمَعْنًى لُغَتَانِ, وَقِيلَ: سَقَاهُ نَاوَلَهُ لِيَشْرَب, وَأَسْقَاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا.
(وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً): أَيْ: المَاء. وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَة أَصَابَتْ أَيْ: طَائِفَة أُخْرَى. وَوَقَعَ كَذَلِكَ صَرِيحًا عِنْد النَّسَائِيِّ. وَالْمُرَاد بِالطَّائِفَةِ الْقِطْعَة.
(قِيعَان): بِكَسْرِ الْقَاف جَمْع قَاع، وَهُوَ الْأَرْض المُسْتَوِيَة الْمَلْسَاء الَّتِي لَا تُنْبِت.
(فَقُهَ): بِضَمِّ الْقَاف أَيْ صَارَ فَقِيهًا.
وقال النووي: وَأَمَّا الْفِقْهُ فِي اللُّغَة يُقَالُ مِنْهُ: فَقِهَ - بِكَسْرِ الْقَافِ يَفْقَهُ فقَهًا بِفَتْحِهَا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا, وَقِيلَ: الْمَصْدَرُ فِقْهًا بِإِسْكَانِ الْقَاف. وَأَمَّا الْفِقْهُ الشَّرْعِيُّ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمَا: يُقَال مِنْهُ فَقُهَ بِضَمِّ الْقَاف. وَقَالَ اِبْن دُرَيْد: بِكَسْرِهَا كَالْأَوَّلِ. وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَقُهَ فِي دِين الله) هَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ مَضْمُومَ الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور, وَعَلَى قَوْل اِبْن دُرَيْد بِكَسْرِهَا, وَقَدْ رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ, وَالْمَشْهُور الضَّمّ( ).
(والفقه): الفهم، يقول ابن الأثير: «والفقه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشق والفتح، يقال: فقِه الرجل- بالكسر- يفقه فِقهاً: إذا فهِم وعلِم، وفقُه - بالضم – يفقُه: إذا صار فقيهًا وعالماً، وقد جعله العرف خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها ( ).
فنقول: والمراد في الحديث: الفهم في دين الله، ولا ينصرف لفقه الحلال والحرام فقط، بل يتضمن فقه العقيدة، والأخلاق، والآداب، والتفسير، وغيرها.
* * *
الوقفة الثالثة:
نظرة في عموم الحديث
إنّ الحديث الذي بين أيدينا بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث بالعلم والهدى من عند الله تبارك وتعالى إلى الثقلين كافة من الجن والإنس, وشريعته عامة للجميع, كما أنها نعمة ورحمة للبشرية، ويعم نفعها لكل أصناف البشر, ولكن الناس في الاستفادة من علمه وهديه يتفاوتون، فقد ضرب لهذا بمثل رائع من نزول المطر على الأرض, ومن ثم الانتفاع به, وقد شرح النووي هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم فيقول: «أَمَّا مَعَانِي الْحَدِيث وَمَقْصُوده فَهُوَ تَمْثِيل الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَيْثِ, وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْض ثَلَاثَة أَنْوَاع, وَكَذَلِكَ النَّاس. فَالنَّوْع الْأَوَّل مِن الْأَرْض يَنْتَفِع بِالْمَطَرِ فَيَحْيَى بَعْد أَنْ كَانَ مَيِّتًا, وَيُنْبِتُ الْكَلَأ, فَتَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ وَالزَّرْع وَغَيْرهَا, وَكَذَا النَّوْع الْأَوَّل مِن النَّاس, يَبْلُغُهُ الْهُدَى وَالْعِلْم فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبه, وَيَعْمَلُ بِهِ, وَيُعَلِّمُهُ غَيْره, فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ. وَالنَّوْع الثَّانِي مِن الْأَرْض مَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاع فِي نَفْسهَا, لَكِنْ فِيهَا فَائِدَة, وَهِيَ إِمْسَاك الْمَاء لِغَيْرِهَا, فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاس وَالدَّوَابّ, وَكَذَا النَّوْع الثَّانِي مِن النَّاس, لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة, لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَام ثَاقِبَة, وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْل يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَام, وَلَيْسَ عِنْدهمْ اِجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَة وَالْعَمَل بِهِ, فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدهمْ مِن الْعِلْم, أَهْل لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاع, فَيَأْخُذهُ مِنْهُمْ, فَيَنْتَفِع بِهِ, فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ. وَالنَّوْع الثَّالِث مِن الْأَرْض السِّبَاخ الَّتِي لَا تُنْبِتُ وَنَحْوهَا, فَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ, وَلَا تُمْسِكُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا غَيْرهَا, وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِن النَّاس, لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوب حَافِظَة, وَلَا أَفْهَام وَاعِيَة, فَإِذَا سَمِعُوا الْعِلْم لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ, وَلَا يَحْفَظُونَهُ لِنَفْعِ غَيْرهمْ. وَالله أَعْلَم( ).
وقال ابن حجر:
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره: ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا جَاءَ بِهِ مِن الدِّين مَثَلًا بِالْغَيْثِ الْعَامّ الَّذِي يَأْتِي فِي حَال حَاجَتهمْ إِلَيْهِ, وَكَذَا كَانَ النَّاس قَبْل مَبْعَثه, فَكَمَا أَنَّ الْغَيْث يُحْيِي الْبَلَد المَيِّت فَكَذَا عُلُوم الدِّين تُحْيِي الْقَلْب الْمَيِّت. ثُمَّ شَبَّهَ السَّامِعِينَ لَهُ بِالْأَرْضِ الْمُخْتَلِفَة الَّتِي يَنْزِل بِهَا الْغَيْث, فَمِنْهُم الْعَالِم الْعَامِل الْمُعَلِّم. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الطَّيِّبَة شَرِبَتْ فَانْتَفَعَتْ فِي نَفْسهَا وَأَنْبَتَتْ فَنَفَعَتْ غَيْرهَا. وَمِنْهُم الْجَامِع لِلْعِلْمِ الْمُسْتَغْرِق لِزَمَانِهِ فِيهِ غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِنَوَافِلِهِ أَوْ لَمْ يَتَفَقَّه فِيمَا جَمَعَ لَكِنَّهُ أَدَّاهُ لِغَيْرِهِ, فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض الَّتِي يَسْتَقِرّ فِيهَا الْمَاء فَيَنْتَفِع النَّاس بِهِ, وَهُوَ المُشَار إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «نَضَّرَ الله اِمْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا »( ). وَمِنْهُمْ مَن يَسْمَع الْعِلْم فَلَا يَحْفَظهُ وَلَا يَعْمَل بِهِ وَلَا يَنْقُلهُ لِغَيْرِهِ, فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْض السَّبْخَة أَوْ الْمَلْسَاء الَّتِي لَا تَقْبَل الْمَاء أَوْ تُفْسِدهُ عَلَى غَيْرهَا. وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَثَل بَيْن الطَّائِفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْمَحْمُودَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِانْتِفَاع بِهِمَا, وَأَفْرَدَ الطَّائِفَة الثَّالِثَة الْمَذْمُومَة لِعَدَمِ النَّفْع بِهَا. وَالله أَعْلَم.
وَقَالَ الطِّيبِيّ: بَقِيَ مِن أَقْسَام النَّاس قِسْمَانِ: أَحَدهمَا الَّذِي اِنْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسه وَلَمْ يُعَلِّمهُ غَيْره, وَالثَّانِي مَن لَمْ يَنْتَفِع بِهِ فِي نَفْسه وَعَلَّمَهُ غَيْره. قُلْت: وَالْأَوَّل دَاخِل فِي الْأَوَّل لِأَنَّ النَّفْع حَصَلَ فِي الْجُمْلَة وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبه, وَكَذَلِكَ مَا تُنْبِتهُ الْأَرْض, فَمِنْهُ مَا يَنْتَفِع النَّاس بِهِ وَمِنْهُ مَا يَصِير هَشِيمًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ عَمِلَ الْفَرَائِض وَأَهْمَلَ النَّوَافِل فَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّانِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ, وَإِنْ تَرَكَ الْفَرَائِض أَيْضًا فَهُوَ فَاسِق لَا يَجُوز الْأَخْذ عَنْهُ, وَلَعَلَّهُ يَدْخُل فِي عُمُوم: «مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا » وَالله أَعْلَم( ).
فلا بد للاهتداء من محل قابل، فإذا لم تكن في المحل صلاحية لا يستفيد الإنسان من آيات الكتاب والسنة, ولذا قيد الله تعالى في القرآن لهدايته بقيود وقد أشار إلى بعضها الشيخ السعدي رحمه الله فيقول: «وقيد هدايته في بعض الآيات بعدة قيود: قيد هدايته بأنه هدى للمؤمنين, المتقين, لقوم يعقلون, ويتفكرون, ولمن قصده الحق، وهذا بيان منه تعالى لشرط هدايته، وهو أن المحل لا بد أن يكون قابلاً وعاملاً، فلا بد لهدايته من عقل وتفكير وتدبر لآياته، فالمعرض الذي لا يتفكر ولا يتدبّر آياته لا ينتفع به, ومن ليس قصده الحق ولا غرض له في الرشاد, بل قصده فاسد، وقد وطّن نفسه على مقاومته ومعارضته، ليس له من هدايته نصيب, فالأول حرم هدايته لفقد الشرط, والثاني لوجود المانع, فأما من أقبل عليه وتفكر في معانيه وتدبرها بحسن فهم وحسن قصد، وسلم من الهوى, فإنه يهتدي به إلى كل مطلوب, وينال به كل غاية جليلة ومرغوب»( ).
وهكذا سنّة النبي صلى الله عليه وسلم يستفيد منها من كان فيه خير, فقد بينه بأسلوب شيق وبكلام جذاب, فحري بالمعلم عامةً وبطالب العلم خاصةً أن يطلب العلم, ويتفقه فيه, ويعمل به, ويعلمه غيره( ).
* * *
الوقفة الرابعة:
ضرب الأمثلة: أثرها واستعمالها في القرآن والسنة
إن الأمثال لها تأثير بالغ على الإنسان؛ لذا نرى في الكتاب والسنة كثيرا ما يستشهد بها, ويستفاد منها في أمور كثيرة: في التذكير، والنصح, والوعظ, والحث, والترغيب, والترهيب، والتعليم، والتربية، والزجر, والاعتبار, والتقرير, وتقريب المراد للعقل, وتصويره بصورة المحسوس, فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص؛ لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس, ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي, والغائب بالشاهد. يقول الله تعالى: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ))[الزمر:27].
وقال أيضاً: ((وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)) [العنكبوت:43].
يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: أي: «لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم لكونها من الطرق الموضحة للعلوم, ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة, فيتضح المعنى المطلوب بسببها, فهي مصلحة لعموم الناس( ).
وقد كتب العلماء في تصانيفهم كثيرًا عن تأثير هذا النوع من الأسلوب, فيقول الزمخشري: «التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهم من الشاهد, فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله, وإن كان حقيرًا كان المتمثل به كذلك»( ).
وقال الأصبهاني: «لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي, في إبراز خفيات الدقائق, ورفع الأستار عن الحقائق, تريك المتخيل في صورة المتحقق, والغائب كأنه مشاهد, وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة, وقمع لسورة الجامح الأبي, فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر في وصف الشيء في نفسه»( ).
وقد أكثر الله تعالى في كتابه الأمثال. مثل قوله تعالى: ((مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [البقرة:17-20]. ضرب الله فيها مثلين للمنافقين: مثلاً بالنار, ومثلاً بالمطر.
يقول الطبري: مثل استضاءة هؤلاء المنافقين في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر, وصدقنا بمحمد وبما جاء به, وهم للكفر مستبطنون فيما الله فاعل بهم مثل استضاءة موقدٍ نارًا بناره, حتى أضاءت له النار ما حوله, يعنى ما حول المستوقد( ).
وقال أيضا: وتأويل ذلك: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر, مثل استضاءة موقد نارٍ بضوء ناره, على ما وصف جل ثناؤه من صفته, أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء, تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة, وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه( ).
وقوله تعالى: ((أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)) [البقرة:266].
روى البخاري عند تفسير هذه الآية: عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ: ((أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ))؟ قَالُوا: الله أَعْلَمُ. فَغَضِبَ عُمَرُ. فَقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ: وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَعَثَ الله لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أعماله ( ).
وقوله تعالى: ((أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)) [الرعد:17].
قال القرطبي: ضرب مثلاً للحق والباطل؛ فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء, فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية, وتدفعه الرياح, فكذلك يذهب الكفر ويضمحل( ).
وقال تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [العنكبوت:41].
يقول الشيخ السعدي: «هذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره, يقصد به التعزّز والتَّقَوِّي والنفع, وأن الأمر بخلاف مقصوده, فإن مثله كمثل العنكبوت ا تخذت بيتًا يقيها من الحر والبرد والآفات, ((وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ))أضعفها وأوهاها((لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)). فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة, وبيتها من أضعف البيوت, فما ازدادت با تخاذه إلا ضعفًا,كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء, فقراء عاجزون من جميع الوجوه, وحين ا تخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم, ازدادوا ضعفًا إلى ضعفهم, ووهناً إلى وهنهم( ).
وكذا نجد الأمثال تستعمل بكثرة في السنة, فإليك البعض منها:
• فعَن ابْنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ المُنَافِقِ: كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً»( ).
(الْعَائِرَة) أَيْ: الْمُتَرَدِّدَة بَيْن قَطِيعَيْنِ مِن الْغَنَم، وَهِيَ الَّتِي تَطْلُب الْفَحْل فَتَتَرَدَّد بَيْن قَطِيعَيْنِ وَلَا تَسْتَقِرّ مَعَ إِحْدَاهُمَا, وَالْمُنَافِق مَعَ الْمُؤْمِنِينَ بِظَاهِرِهِ وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ بِبَاطِنِهِ تَبَعًا لِهَوَاهُ وَعَرْضه الْفَاسِد فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ تِلْكَ الشَّاة( ).
• وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ( ) رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ, وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ, وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ, وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرّ»( ).
قال ابن حجر: قِيلَ: الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْأُتْرُجَّة بِالتَّمْثِيلِ دُون غَيْرهَا مِن الْفَاكِهَة الَّتِي تَجْمَع طِيب الطَّعْم وَالرِّيح كَالتُّفَّاحَةِ لِأَنَّهُ يُتَدَاوَى بِقِشْرِهَا وَهُوَ مُفْرِح بِالْخَاصِّيَّةِ, وَيُسْتَخْرَج مِن حَبِّهَا دُهْن لَهُ مَنَافِع, وَقِيلَ: إِنَّ الْجِنّ لَا تَقْرَب الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْأُتْرُجّ, فَنَاسَبَ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ الْقُرْآن الَّذِي لَا تَقْرَبهُ الشَّيَاطِين, وَغِلَاف حَبّه أَبْيَض فَيُنَاسِب قَلْب الْمُؤْمِن, وَفِيهَا أَيْضًا مِن الْمَزَايَا كِبْر جُرْمهَا, وَحُسْن مَنْظَرهَا, وَتَفْرِيح لَوْنهَا, وَلِين مَلْمَسهَا, وَفِي أَكْلهَا مَعَ الِالْتِذَاذ طِيب نَكْهَة وَدِبَاغ مَعِدَة وَجَوْدَة هَضْمٍ, وَلَهَا مَنَافِع أُخْرَى مَذْكُورَة فِي الْمُفْرَدَات.
وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة حَامِلِي الْقُرْآن, وَضَرْب الْمَثَل لِلتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ, وَأَنَّ الْمَقْصُود مِن تِلَاوَة الْقُرْآن الْعَمَل بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ( ).
• وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ: بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ, فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ, وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ( ).
قال النووي: فِيهِ فَضِيلَته صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَنَّهُ خَاتَم النَّبِيِّينَ, وَجَوَاز ضَرْب الْأَمْثَال فِي الْعَلَم وَغَيْره( ).
• وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ؛ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا, فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَزَعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا, فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَن النَّارِ وأَنْتُمْ تَقَحَّمُوْنَ فِيهَا( ).
قال ابن حجر: وَحَاصِله أَنَّهُ شَبَّهَ تَهَافُت أَصْحَاب الشَّهَوَات فِي المَعَاصِي الَّتِي تَكُون سَبَبًا فِي الْوُقُوع فِي النَّار بِتَهَافُتِ الْفَرَاش بِالْوُقُوعِ فِي النَّار اِتِّبَاعًا لِشَهَوَاتِهَا, وَشَبَّهَ ذَبَّهُ الْعُصَاة عَن الْمَعَاصِي بِمَا حَذَّرَهُمْ بِهِ وَأَنْذَرَهُمْ بِذَبِّ صَاحِب النَّار الْفَرَاش عَنْهَا. وَقَالَ عِيَاض: شَبَّهَ تَسَاقُط أَهْل الْمَعَاصِي فِي نَار الْآخِرَة بِتَسَاقُطِ الْفَرَاش فِي نَار الدُّنْيَا( ).
وقال النووي: وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ تَسَاقُط الْجَاهِلِينَ وَالْمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَشَهَوَاتهمْ فِي نَار الْآخِرَة, وَحِرْصهمْ عَلَى الْوُقُوع فِي ذَلِكَ, مَعَ مَنْعه إِيَّاهُمْ, وَقَبْضه عَلَى مَوَاضِع الْمَنْع مِنْهُمْ, بِتَسَاقُطِ الْفِرَاش فِي نَار الدُّنْيَا, لِهَوَاهُ وَضَعْف تَمْيِيزه, وَكِلَاهُمَا حَرِيصٌ عَلَى هَلَاكِ نَفْسه, سَاعٍ فِي ذَلِكَ لِجَهْلِهِ( ).
• وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ؛ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِن حَدِيدٍ, قَد اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا, فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّيَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ, وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا. قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَوَسَّعُ( ).
قَالَ الْخَطَّابِيّ وَغَيْره: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ, فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِن سِلَاحِ عَدُّوِهِ, فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسهَا, وَالدُّرُوع أَوَّل مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَان يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا, فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَة فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ, وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: « حَتَّى تَعْفُوَ أَثَره » أَيْ: تَسْتُرُ جَمِيع بَدَنِهِ. وَجُعِلَ الْبَخِيل كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ, كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسهَا اِجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَته, وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: « قَلَصَتْ » أَيْ: تَضَامَنَتْ وَاجْتَمَعَتْ, وَالْمُرَاد أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اِنْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسه فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ, وَالْبَخِيل إِذَا حَدَّثَ نَفْسه بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسه فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ.
وَقَالَ الطِّيبِيّ: قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِن جِبِلَّة الْإِنْسَان, وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّق مَوْقِع السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِع وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِن الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ( ).
• وعَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ( ) إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا, وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ( ).
قال ابن حجر: شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآن وَاسْتِمْرَار تِلَاوَته بِرَبْطِ الْبَعِير الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الشِّرَاد, فَمَا زَالَ التَّعَاهُد مَوْجُودًا فَالْحِفْظ مَوْجُود, كَمَا أَنَّ الْبَعِير مَا دَامَ مَشْدُودًا بِالْعِقَالِ فَهُوَ مَحْفُوظ. وَخَصَّ الْإِبِل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدّ الْحَيَوَان الْإِنْسِيّ نُفُورًا, وَفِي تَحْصِيلهَا بَعْد اسْتِمْكَان نُفُورهَا صُعُوبَة( ).
وكذلك الحديث الذي نحن بصدد شرحه استعمل النبي صلى الله عليه وسلم فيه أسلوب ضرب المثل لما لهذا الأسلوب من أثر بالغ على توضيح المراد وتقريب المعاني إلى الأذهان.
ومن هنا تحصّل لدينا أنّ ضرب المثل أسلوب من أهم الأساليب لتقريب المعاني، وقوة التصوير، وسرعة الإقناع، يحسن بالمعلم والمربي، والداعية والموجه، والأب والأم، أن يستخدم هذا الأسلوب ليكون كلامه مقبولاً، ومعانيه المرادة واضحة وجلية، كما استخدم في القرآن الكريم، واستخدم في السنة النبوية.
* * *
الوقفة الخامسة:
طلب العلم والتفقه فيه
في هذا الحديث دلالة صريحة على أهمية العلم الشرعي وعظيم أثره، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه كالأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب، ومن هنا سنقف من أهمية طلب العلم وفضائله وما ينبغي لطالب العلم أن يتحلى به ليكون كالأرض المذكورة، فينفع نفسه وأسرته ومجتمعه، ملخصًا له من رسالة: قواعد منهجية في طلب العلم.
أهمية طلب العلم:
الحديث عن العلم والتعلم حديث تحبه النفوس المؤمنة، وترغبه الأنفس الطموحة، وتهواه العقول النيرة، فديننا الإسلامي دين العلم والمعرفة، دين النظر والتفكر، دين البحث والإنتاج، فالدين كله مبني على العلم، فلا يعبد العبد ربه على بصيرة إلا بالعلم، ولا تستقيم الأمة على المنهاج الصحيح إلا بالعلم، ولا تسير الدعوات الإصلاحية سيرًا سليمًا إلا بالعلم, وبالعلم تنتشر الرحمات, وتزال الضلالات.
والعلم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ودليل الحائرين، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه مبينًا فضل العلم: كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يتبرأ منه من هو فيه.
بعض فضائل طلب العلم:
1. إن العلم ميراث الأنبياء، والعلماء ورثة الأنبياء،كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم ( ).
2. والعلم طريق موصل إلى الجنة، روى مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله به طريقًا إلى الجنة» ( ).
3. والعلم سبب لرفعة الفرد والأمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) [المجادلة:11].
4. والعالم والمتعلم صاحبا نور ووضاءة في الدنيا والآخرة، فقد دعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع» ( ).
5. والعالم والمتعلم يفترقان عن غيرهما فرقًا شاسعًا في الدنيا والآخرة, قال تعالى: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الزمر:9].
6. والعالم والمتعلم أعرف الناس بالله وأتقاهم وأخشاهم له؛ إذ إنهم عرفوا الله فعبدوه حق عبادته، قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:28].
7. وطالب العلم مأجور طوال حياته إذ إنه ساعٍ في سبيل الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» ( ).
وغيرها من الفضائل كثيرة.
أنواع العلم المكلف بها الأمة:
طلب العلم على نوعين:
1. منه ما هو فرض عين يجب أن يعرفه كل واحد من المسلمين، وهو المعلوم من الدين بالضرورة وما يجب عليه معرفته، كأركان الإسلام، من توحيد الله تعالى، ومعرفة أحكام الصلاة، وكذا إذا كان تاجرًا وبائعًا ومشتريًا معرفة البيع والشراء وما يتعلق بهما... وهكذا.
2. ومنه ما هو فرض كفاية في الأمة، ومندوب للأفراد, وهو ما يتعلق به حاجة الأمة من بيان تفصيل أحكام الاعتقاد، وأحكام الحلال والحرام، وتفاصيل ما يتعلق بالآيات والأحاديث، وما يعضد ذلك من اللغة العربية وأحكامها. فهذا النوع من العلم إن قام به البعض سقط عن باقي الأمة, وإن لم يطلب به أحد منهم أثموا كلهم.
الصفات التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم:
1- أولها وأعلاها: إخلاص النية لله سبحانه:
فطلب العلم من أجل العبادات، بل طلب العلم أفضل من نوافل الصلاة والصيام، فهو يفتقر إلى نية خالصة لله سبحانه.قال تعالى: (( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )) [البينة:5].
2- ملازمة خشية الله تعالى ومراقبته:
قال الله تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:28]. ففيه إشارة إلى ضرورة الخشية التي تقود إلى العمل بهذا العلم.
3- الرفق واللين، وعدم الاستعجال في الطلب:
فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما عدم من شيء إلا شانه.
ومن أراد أن يحمل العلم جملة واحدة، فسيضيعه جملة واحدة،، قال الشاعر:
اليوم شيء وغدًا مثلـه من نخب العلم التي تلتقط
يحـصـل المـرء بها حكمة إنما الســيل اجتماع النقط
4- الصبر والمصابرة:
فالعلم بحر متلاطم لا ساحل له، ولا يمكن الغوص في هذا البحر والوصول إلى أعماقه إلا بالصبر، وقد حث الله تعالى على هذه الخصلة في كل شيء، فقال تعالى: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )) [فصلت:35].
فالصبر عدة الأفذاذ وقوة السائرين، به يصلون إلى غاياتهم ومناهم، فعلى طالب العلم أن يحذر من العجلة والملل وقلة الصبر.
كمايقول الشاعر:
لا تحسب المجد ثمرًا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
5- التواضع وخفض الجناح، ونبذ الكبر والبطر والتعالي:
فالعلم يحتاج أن تتذلل له، وأوضح قدوة في ذلك أن كثيرًا من الصحابة رووا عن التابعين.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بركاب ناقة زيد بن ثابت ويقول: هكذا أمرنا باحترام علمائنا.
ومن تواضع لله رفعه، وقال القائل:
العلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي
6- الحرص على اغتنام الأوقات وقوة الشباب:
عمر الإنسان مراحل يبدأ بضعف ثم قوة وينتهي إلى ضعف، والمؤمن من يغتنم أوقات قوته وشبابه، فإن هذا الوقت هو وقت التحصيل وحمل العلم، فالمحافظة على هذا الوقت فرصة غالية.
فالحذر الحذر! من ضياع الأوقات، فالعلم لا ينال بأجزاء من الوقت مقطعة، أو بوقت الكلل والتعب، أو بوقت الفراغ من الأعمال، فالعلم لا يقبل هذا، وقد قيل: أعط العلم كلك يعطِك بعضه، وأعطه بعضك لا يعطك شيئًا.
7- المواصلة والاستمرار في طلب العلم:
فيواصل طالب العلم ولا يمل ولا يكل، فمن طلب العلا سهر الليالي, ولكن إذا تطرق إليه الملل فلا مانع من وضع فسحة بين وقت وآخر لتستعيد النفس نشاطها، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أجمّوا هذه القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان»( ).
8- العمل بالعلم:
فهو زكاة العلم وهو الثمرة منه، ولا ينفع بدونه، بل قد ذم الله تعالى الذين يقولون ما لا يفعلون، قال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ )) [الصف:3].
وقال تعالى: ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)) [البقرة:44].
فهذه بعض الصفات التي إذا اتصف بها الإنسان يرجى له أن يحصل العلم. فالبدار البدار يا طالب العلم إلى هذا المنبع الصافي لكي تنهل من معينه.
أسباب النجاح في طلب العلم:
قال ابن القيم رحمه الله: للعلم ست مراتب:-
حسن السؤال. (أي أن لا يحرج المعلم بأسئلة غير واقعية وغير مفيدة، وأن لا يسأل حتى يكمل المعلم الدرس، ولا يكن قصده من السؤال التعجيز أو اختبار المعلم).
وحسن الإنصات والاستماع. (أن يركز الطالب فيما يقوله المعلم ويمعن فيه، لأن القلب الغافل لا يحصل على شيء).
وحسن الفهم. (وذلك لا يأتي إلا بحسن الاستماع).
وتعاهده وحفظه حتى لا ينساه فيذهب. (بأن لا يؤخر عمل اليوم إلى الغد من مذاكرة الدروس وحفظ الواجبات وحل المشكلات).
والتعليم. (العلم شيء وحيد كلما بذله صاحبه زاد وتكاثر).
والعمل به ومراعاة حدوده وهي ثمرته. ولا يكن ممن قال الله فيه: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ )) [الصف:3].
هذه أسباب النجاح في طلب العلم كما ذكره ابن القيم رحمه الله، ونزيد عليه:
- أن يتلقى العلم من أهله، ولا يتكئ على الكتب فحسب، كما أنه لا ينبغي أن يتعلم ممن هو ليس بأهله.
- أن يقدم الأهم فالمهم، فأولا يحفظ القرآن الكريم وشيئاً من السنة النبوية، ثم يركز على حفظ المتون، وهكذا.
- أن يسلك سبيل التدرج، فلا يمكن لطالب العلم أن يتقن جميع العلوم مرةً واحدةً، بل عليه أن يتعلم المختصرات ثم المتوسطات ثم المطولات...
- أن يرتب أوقاته، فمثلا بعد العصر لحفظ القرآن الكريم، وبعد المغرب لمذاكرة الدروس، وبعد العشاء للمطالعة، وهكذا..
فإذا راعى الإنسان هذه الصفات يرجى له بمستقبل علمي زاهر, ونفع نفسه وأمته. فهيا بنا أن نشد أزرنا في طلبه, ونبذل ما فيه قصارى جهدنا لحصوله, وننفق الغالي والنفيس لأجله, فإن المغبون من حرم بركات العلم( ).
* * *
الوقفة السادسة:
الدعوة إلى الله
دل الحديث على أهمية الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وعظم شأنها، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طالب العلم الداعي إلى الله كالأرض التي تنفع الناس بإنباتها للكلأ والعشب، وهذه ثمرة العلم وزكاته، ولذا سنتطرق بشيء من التفصيل في هذه الوقفة عن الجوانب المهمة في الدعوة في ضوء المباحث الآتية:
* * *
المبحث الأول: مفهــوم الدعوة:
(الدَعوة) إلى الطعام: بالفتح, يقال: كنا في دَعوة فلان و مدعاة فلان,وهو مصدر، والمراد بهما الدعاء إلى الطعام.
والدِعوة: بالكسر في النسب, والدعيُ من تبنيتَه، ومنه قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)) [الأحزاب:4].
وداعية اللبن: ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده. وفي الحديث: دع داعي اللبن( ).
أي: أبق في الضرع قليلًا من اللبن ولا تستوعبه كله فإن الذي تبقيه فيه يدعو ما وراءه من اللبن, فينزله, وإذا استقصي كل ما في الضرع أبطأ دره على حالبه.
والدعوة تأتي بمعنى الاستغاثة: وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خالياً فادع المسلمين, ومعناه: استغث بالمسلمين. فالدعاء هنا بمعنى الاستغاثة.
كما تأتي بمعنى العبادة: قوله تعالى: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)) [غافر:60], وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». فعَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)), قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. وَقَرَأَ: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) إِلَى قَوْلِهِ((دَاخِرِينَ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ( ).
والدعاء: الرغبة إلى الله عز وجل. والدعوة: المرة الواحدة من الدعاء. ومنه الحديث: عن لُقْمَان بْن عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ:قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ, وَبُشْرَى عِيسَى, وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهَا قُصُورُ الشَّامِ( ).
فدعوة إبراهيم عليه السلام؛ قوله تعالى: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [البقرة:129], وبشارة عيسى عليه السلام؛ قوله تعالى: (( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)) [الصف:6].
ودعا الرجل دعوًا ودُعاءً: ناداه.والاسم الدعوة, ودعوت فلاناً, أي: صحت به, واستدعيته, والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدىً أو ضلالةً, واحدهم داعٍ. ورجل داعية: إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين, أدخلت الهاء فيه للمبالغة.والنبي صلى الله عليه وسلم داعي الله تعالى.ومنه قوله تعالى: ((وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)) [الأحزاب:46]. معناه: داعيًا إلى توحيد الله وما يقرب منه( ).
والدعوة يراد بها في الشرع أحد معنيين:
1 - المعنى الأول: الإســـلام.
2 - المعنى الثاني: «نشر هذا الدين للناس». وفي المجال الدعوي يقصد هذا المفهوم على العموم. كما قال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) [يوسف:108]. والمقصود بالدعوة إلى الله الدعوة إلى دينه.
وهذا المعنى الأخير هو المراد بالبحث بمفهومه العام سواء كانت الدعوة إلى الإسلام وترك الكفر، أو الدعوة إلى الطاعة وترك المعصية، أو الدعوة إلى العمل الفاضل وترك المفضول.
* * *
المبحث الثاني: موضوع الدعوة
إن المقصود بالدعوة إلى الله الدعوة إلى دينه, وهو الإسلام كما قال تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)) [آل عمران:19], ذلك الدين الكامل الشامل، دين جميع الأنبياء والرسل، دين السعادة والراحة والطمأنينة، ارتضاه الله لهذه الأمة، وأكمله على حبيبه وخير خلقه؛ محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)). فلا يقبل عند الله دين سواه كما قال تعالى: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )).
والإسلام: هو الخضوع والاستسلام والانقياد لله رب العالمين, كما يلزم الإنسان أن يمتثل جميع الأوامر بقدر المستطاع ويجتنب النواهي كلها, وأجمل مفهوم للدين ما جاء في حديث جبريل عليه السلام الذي ذكرت فيه مراتب الدين: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ:حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ،حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَن الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله،وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن الْإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ؟ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ »( ).
فقد ذكر في هذا الحديث العظيم مراتب الدين، فالدعوة إلى الإسلام تعني الدعوة إلى الدين في اتباع جميع أوامره وأحكامه وشرائعه واجتناب نواهيه.
وإذا نظرنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه دعا الناس إلى جميع أحكام الدين, فقد دعا الناس من الكفر إلى الإسلام, ومن الضلال إلى الهدى, ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الميل إلى الاستقامة, ومن المفضول إلى الفاضل, وإن كان الأصل: الدعوة من الكفر إلى الإسلام. وقد بعثه الله لذلك كما قال تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [آل عمران:164].
وحاصل الأمر أن موضوع الدعوة هو: الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، ومن ثم الدعوة إلى تطبيق الشريعة بكاملها من العبادات والأخلاق والآداب، والسلوك والاستقامة، ونبذ الشرك والكفر والنفاق، وعموم المعاصي والآثام وغيرها.
* * *
المبحث الثالث: أهداف الدعوة
إن للدعوة أهدافاً ساميةً, تتجلى من خلال دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, لا يجوز الحيدة والانصراف عنها، كما يجب على المسلم الواعي أن يتصورها ويعيها، ويجددها بين الحين والآخر حتى لا تزل به قدم، ولا ينجرف مع هوى، أو يطغى عليه مصلحة دنيوية، أو ينحرف قصده، وهي كالتالي:
• رضا الله سبحانه وتعالى؛ لأن المسلم يطلب رضا الله تعالى في جميع أموره كما ذكر تعالى عن أوصاف أهل الجنة: (( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا )) [الإنسان:9].
• نشر الإسلام في الأرض؛ لأن هذا الدين يعلو ولا يعلى عليه, ولا بد أن ينتصر ولو بعد حين, وأن يدخل في كل بيت وبرٍ ومدرٍ, لا يمنعه من انتشاره جور جائرٍ ولا عدل عادلٍ, وإن طال الزمن أو قصر، فقد قال تعالى: (( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )) [الصف:9], وقال في موضع آخر: (( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )) [التوبة:33] وقال في موضع آخر: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) [الفتح:28]. ولكن لا بد له من نهوض رجالٍ فحولٍ للقيام بالدعوة, ومن ثم تكون كلمة الله هي العليا, كما جاء في الحديث: عَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ, وَلَا يَتْرُكُ الله بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ, عِزًّا يُعِزُّ الله بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ الله بِهِ الْكُفْرَ, وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي؛ لَقَدْ أَصَابَ مَن أَسْلَمَ مِنْهُمْ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ, وَلَقَدْ أَصَابَ مَن كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ( ).
<FONT size=5>ولذلك لم يبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا لتبليغ هذا الدين ونشره في الناس، وهو ميراثه الحقيقي، وبناءً على ذلك فالداعي يجب أن يصوغ حياته الدعوية لتحقيق
|